عمر فروخ

472

تاريخ الأدب العربي

قالوا : هجرت إليه الغيث ! قلت لهم : * إلى غيوث يديه والشآبيب ؛ إلى الذي تهب الدولات راحته * ولا يمنّ على آثار موهوب . ولا يروع بمغدور به أحدا ، * ولا يفزّع موفورا بمنكوب « 1 » . وجدت أنفع مال كنت أذخره * ما في السوابق من جري وتقريب « 2 » . لما رأين صروف الدهر تغدر بي * وفين لي ، ووفت صمّ الأنابيب . وكيف أكفر ، يا كافور ، نعمتها * وقد بلغنك بي ، يا كلّ مطلوبي . أنت الحبيب ، ولكنّي أعوذ به * من أن أكون محبّا غير محبوب ! ج - رثاؤه : رثاء المتنبي باب من أبواب مديحه ، ليس فيه شيء من عاطفة الخنساء أو جرير أو ابن الرومي . وليس فيه تفجّع أو جزع . والمتنبي إذا رثى ذكر حسنات الميت في الحياة ومدح أهله . وربما افتخر المتنبّي في رثائه بنفسه إذا كان الميت قريبا له . ثم إنه ، في الحالين ، يتأمل الحياة واقعيا وفلسفيا ويستجمع الحكم ويضرب الأمثال ؛ توفيت أمّ سيف الدولة سنة 337 ه ( 948 م ) فقال المتنبي يرثيها : نعدّ المشرفيّة والعوالي * وتقتلنا المنون بلا قتال « 3 » . ومن لم يعشق الدنيا قديما ؟ * ولكن لا سبيل إلى الوصال . رماني الدهر بالأرزاء حتى * فؤادي في غشاء من نبال . فصرت إذا أصابتني سهام * تكسّرت النصال على النصال أطاب النفس أنك متّ موتا * تمنّته البواقي والخوالي « 4 » ؛ وزلت ولم تري يوما كريها * تسرّ النفس فيه بالزوال . رواق العزّ فوقك مسبطرّ ، * وملك عليّ ابنك في كمال « 5 » .

--> ( 1 ) لا يغدر بأحد حتى يخيف بعمله خصومه . ولا ينكب أحدا ( يصادر أمواله ) ليهدد الأغنياء حتى ينزلوا له عن شيء من أموالهم . ( 2 ) أنفع شيء كنت أدخرته السوابق ( الخيل ) وما لها من الجري ( السرعة ) والتقريب ( القفز ببطء ) . ( 3 ) المشرفية : السيوف . العوالي : الرماح . ( 4 ) - من لم يرد الخلود في الدنيا ؟ ( 5 ) مسبطر : وارف ، ممتد . علي : سيف الدولة .